ابراهيم بن عمر البقاعي
488
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
اللعن والغضب بأمر محسوس فقال : وَجَعَلَ ودل على كثرة الملعونين بجمع الضمير فقال : مِنْهُمُ أي بالمسخ على معاصيهم الْقِرَدَةَ تارة وَالْخَنازِيرَ أخرى ، والتعريف للجنس ، وقال ابن قتيبة : إن التعريف يفيد ظن أنهم لم ينقرضوا بل توالدوا حتى كان منهم أعيان ما تعرفه من النوعين ، فما أبعد من كان منهم هذا من أن يكونوا أبناء اللّه وأحباءه ! ثم عطف - على قراءة الجماعة - على قوله لَعَنَهُ اللَّهُ سبب ذلك بعد أن قدم المسبب اهتماما به لصراحته في المقصود ، مع أن اللعن والغضب سبب حقيقي ، والعبادة سبب ظاهري ، فقال : وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ وقرأه حمزة بضم الباء على أنه جمع والإضافة عطف على القردة ، فهو - كما قال في القاموس - اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون اللّه ومردة أهل الكتاب ، للواحد والجمع ، فلعوت من طغوت ، وكل هذه المعاني تصلح هاهنا ، أما اللات والعزى وغيرهما مما لم يعبدوه صريحا فلتحسينهم دين أهله حسدا للإسلام ، وقد عبدوا الأوثان في كل زمان حتى في زمان موسى عليه السّلام كما في نص التوراة : ثم بالغوا في النجوم لاستعمال السحر فشاركوا الصابئين في ذلك . فمعنى الآية : تنزلنا إلى أن نسبتكم لنا إلى الشر صحيحة ، ولكن لم يأت كتاب بلعننا ولا بالغضب علينا ولا مسخنا قردة ولا خنازير ، ولا عبدنا غير اللّه منذ أقبلنا عليه ، وأنتم قد وقع بكم جميع ذلك ، لا تقدرون أن تتبرؤوا من شيء منه ، فلا يشك عاقل أنكم شر منا وأضل ، والعاقل من إذا دار أمره بين شرين لم يختر إلا أقلهما شرا ، فثبت كالشمس صحة دعوى أنهم قوم لا يعقلون ، ولذلك ختم الآية بقوله أُولئِكَ أي البعداء البغضاء الموصوفون باللعن وما معه شَرٌّ مَكاناً وإذا كان ذلك لمكانهم فما ظنك بأنفسهم ، فهو كناية عن نسبتهم إلى العراقة في الشر وَأَضَلُّ أي ممن نسبوهم إلى الشر والضلال ، وسلم لهم ذلك فيهم إرخاء للعنان قصدا للإبلاغ في البيان عَنْ سَواءِ أي قصد وعدل السَّبِيلِ * أي الطريق ، ويجوز أن تكون الإشارة في ذلك إلى ما دل عليه الدليل الأول من عدم عقلهم ولا تنزل حينئذ ، وإنما قلت : إنهم لا يقدرون على إنكار شيء من ذلك ، لأن في نص التوراة التي بين أظهرهم في السفر الخامس : فالرب يقول لكم ويأمركم أن تكونوا له شعبا حبيبا ، وتحفظوا جميع وصاياه وتعملوا بها ، فإنه يرفعكم فوق جميع الشعوب ، وإذا جزتم الأردن انصبوا الحجارة التي آمركم بها اليوم على جبل عبل وكلسوها بالكلس ، وابنوا هناك مذبحا من حجارة لم يقع عليها حديد ، ولكن ابنوا الحجارة كاملة لم تقطع ، وقربوا عليها ذبائح كاملة أمام اللّه ربكم ، وكلوا هناك وافرحوا أمام اللّه ربكم ، واكتبوا على تلك الحجارة جميع آيات هذه السنة . ثم عين موسى رجالا يقومون على